صحة وعلوم

هل يمكننا التمييز بين التحدّث إلى البشر أو الذكاء الاصطناعي؟

هل يمكننا التمييز بين ما إذا كنا نتحدث إلى إنسان آخر أم إلى ذكاء اصطناعي؟ لطالما كان هذا أحد الأسئلة التي يطرحها الناس عند تقييم مدى ذكاء الحواسيب فعلياً.

Dean Moussa 11/01/2026 115 views
هل يمكننا التمييز بين التحدّث إلى البشر أو الذكاء الاصطناعي؟
شارك هذا المقال:

ويعود أصل هذا التساؤل إلى اختبار تورينغ، الذي وضعه عالم الرياضيات وعلوم الحاسوب الإنجليزي آلان تورينغ عام 1950، محوّلاً التفكير الفلسفي حول ذكاء الآلة إلى اختبار تجريبي للمرة الأولى.

وبحسب هذا الاختبار، إذا كان سلوك الحاسوب غير قابل للتمييز عن سلوك الإنسان، فإنه يُعدّ حينها مظهراً من مظاهر "السلوك الذكي".

لكن عندما قيل إن روبوت محادثة يعمل بالذكاء الاصطناعي قد اجتاز الاختبار لأول مرة في عام 2014 - بدلاً من أن تكون لحظة فاصلة، فقد أثارت جدلاً واسعاً.

لعبة تقليد

واختبار تورينغ هو لعبة تقليد، يتواصل فيها شخص عبر النص مع إنسان آخر وحاسوب.

يُسمح له بطرح أي أسئلة يشاء، قبل أن يُطلب منه في النهاية تحديد أيهما الإنسان وأيهما الآلة.

وقال الدكتور كاميرون جونز، الأستاذ المساعد في علم النفس بجامعة ستوني بروك في نيويورك: "قال تورينغ إنه إذا لم يتمكن الناس من التمييز بشكل موثوق بين البشر والآلات، فلن تكون لدينا أي أسس للقول إن الإنسان قادر على التفكير بينما الآلة غير قادرة على ذلك".

وكان تورينغ قد توقع أنه بحلول عام 2000، ستصبح الحواسيب قادرة على اجتياز هذا الاختبار والتظاهر بأنها بشر، بعد خمس دقائق من الأسئلة، في ما لا يقل عن 30 في المئة من الحالات.

 

"عدم اللعب بنزاهة"

في عام 2014، نجح روبوت محادثة يعمل بالذكاء الاصطناعي يُدعى يوجين غوستمان في إقناع 33 في المئة من الحكام بأنه إنسان ضمن اختبار تورينغ، متجاوزاً العتبة التي حددها منظمو المسابقة.

وكان الروبوت يتواصل باللغة الإنجليزية، متقمصاً شخصية فتى أوكراني يبلغ من العمر 13 عاماً.

وقال الدكتور ماركوس بانتسار، الفيلسوف والمحاضر الزائر في جامعة الراين-الويستفالية التقنية في آخن، إن هذا يعني أن الروبوت "لم يكن يلعب اللعبة بنزاهة".

وأضاف: "إن أوجه القصور لدى روبوت المحادثة تتوافق إلى حد ما مع أوجه القصور المتوقعة في اللغة الإنجليزية لدى فتى أوكراني مراهق".

في ورقة بحثية نُشرت مطلع عام 2025، توصل جونز إلى أن شات جي بي تي 4.5، التابع لشركة أوبن إيه آي، صُنِف على أنه إنسان في 73 في المئة من الحالات، أي بنسبة تفوق تصنيف النظير البشري نفسه.

في المقابل، صُنّف نموذج لاما 3.1، التابع لشركة ميتا، على أنه إنسان في 56 في المئة من الحالات.

وقال جونز: "أعتقد أنه من الصعب المجادلة بأن هذه النماذج لم تجتَزْ الاختبار، ما دامت تُقيَّم على أنها بشر بمعدل يفوق البشر أنفسهم بشكل ملحوظ".

ومع ذلك، لا يزال بعض الباحثين متشككين في ما إذا كانت هذه النتائج تُثبت فعلاً أن الحواسيب قادرة على التفكير الحقيقي.

حجة الغرفة الصينية

في عام 1980، طرح الفيلسوف جون سيرل تجربة فكرية عُرفت باسم "حجة الغرفة الصينية".

وتقوم الفكرة على الآتي: يُحتجز رجل إنجليزي لا يفهم اللغة الصينية داخل غرفة، وبحوزته مجموعة من الرموز الصينية وتعليمات مكتوبة بالإنجليزية توضّح كيفية استخدامها، ويقوم أشخاص خارج الغرفة بتمرير ملاحظات إليه تحتوي على أسئلة مكتوبة بالصينية، فيستخدم التعليمات لتكوين ردود مكتوبة بالصينية أيضاً.

وبالنسبة لمن هم خارج الغرفة، سيبدو وكأن الرجل يتحدث الصينية، لكنه في الحقيقة لا يفهم ما يقوله. ويرى بعض الفلاسفة أن الأمر نفسه يمكن أن ينطبق على الحواسيب، التي لا تفهم المعنى فعلياً، بل تُبرمج فقط لإعطاء ردود مناسبة.

قال جورج مابوراس، وهو مهندس برمجيات مقيم في كاليفورنيا طوّر بدوره بديلاً خاصاً لاختبار تورينغ: "على الرغم من أن اختبار تورينغ يدّعي أنه يحدد الذكاء، فإنه في الأساس يحاول معرفة ما إذا كانت الآلة قادرة على محاكاة البشر بشكل جيد بما يكفي".

وطرح مثالاً لتوضيح فكرته، قائلاً: "يمكنك فتح أي روبوت محادثة يعمل بالذكاء الاصطناعي، وأن تطلب منه أولاً شرح كيفية عمل الساعة التناظرية، وسيقدّم شرحاً دقيقاً".

لكن إذا طلبت منه توليد صورة لساعة تُظهر وقتاً محدداً، فمن المرجح أن تفشل نماذج الذكاء الاصطناعي الحالية في ذلك، وأضاف: "هو في الواقع لا يفهم المعلومات حقاً".

ويرى آخرون، مثل بانتسار، أن اختبار تورينغ يضع تركيزاً مفرطاً على قدرة الحاسوب على خداع المحكّم.

وقال: "السلوك الذكي الحقيقي قد يتضمن الخداع، لكن هذا ليس جوهر الذكاء في الأساس".

إعلان السوق اللبناني المجاني
Dean Moussa
Dean Moussa

كاتب و محلل قضايا وتحقيقات.

إعلان السوق اللبناني المجاني (Copy)