لبنان على خطّ الغربة والهجرة
يشهد لبنان منذ عقود سلسلة متلاحقة من الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية، تعاقبت عبر مراحل تاريخية مختلفة منذ مطلع القرن العشرين وحتى اليوم.
إلا أنّ خطورة المرحلة الراهنة لا تكمن فقط في تعدد الأزمات، بل في تنامي الشعور العام بأن البلاد تواجه أزمة وجودية تمسّ الدولة والكيان معًا، في ظل تحولات إقليمية عميقة ومتسارعة. وفي قلب هذا المشهد المأزوم، يبرز ملف الهجرة بوصفه أحد أخطر التحديات التي تهدد مستقبل البلاد.
فقد تسارعت خلال السنوات الأخيرة وتيرة هجرة الكفاءات والطاقات الشابة، خصوصًا من أصحاب الاختصاصات العلمية والمهنية، ما أدى إلى اتساع ظاهرة نزيف العقول وتفاقم الفراغ في القطاعات الحيوية. ويرى متابعون أنّ هذه الظاهرة تعكس خللًا بنيويًا يتجاوز البعد الاجتماعي، ليطال ركائز الاقتصاد والاستقرار الوطني. ويُعزى ذلك إلى جملة أسباب، أبرزها عجز الدولة عن توفير فرص عمل مستدامة تضمن مستوى معيشة لائقًا للشباب،
إضافة إلى تداعيات الصراعات السياسية والطائفية التي عمّقت حالة عدم الاستقرار ودفعت فئات واسعة إلى البحث عن مستقبل خارج البلاد. كما أسهم الانهيار المالي وتراجع القدرة الشرائية في تفكك الطبقة الوسطى، التي لطالما شكّلت عنصر التوازن الاجتماعي والاقتصادي. وقد ترافق ذلك مع اتساع الفجوة الاجتماعية نتيجة تركز الثروة والنفوذ في يد فئة محدودة، ما عزز الشعور بانعدام العدالة وتراجع الثقة بالمؤسسات.
في هذا السياق، يطرح خبراء تساؤلات جوهرية حول سبل الحد من الهجرة واستعادة الكفاءات، مؤكدين أن المعالجة تبدأ بإطلاق مسار إصلاحي شامل يعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس الشفافية والكفاءة وتكافؤ الفرص، ويعيد ترميم الثقة بين المواطن والدولة. وتشير تجارب دول عديدة إلى أن النهوض ممكن رغم الأزمات، شرط توافر الإرادة السياسية والرؤية الاستراتيجية التي تضع الإنسان في صلب السياسات العامة، باعتباره الثروة الوطنية الأهم.
ويحذر مراقبون من أن استمرار الهجرة بوتيرتها الحالية يهدد بإفراغ البلاد من طاقاتها الشابة، ما ينعكس سلبًا على فرص التعافي وإعادة البناء. وبين واقع الأزمات وتحديات المستقبل، تبدو البلاد أمام مفترق حاسم: إما الشروع في إصلاحات جدية توقف نزيف الهجرة وتحفظ رأس المال البشري، وإما استمرار المسار الحالي بما يحمله من مخاطر على هوية الدولة واستمراريتها.
الكاتب: يحيى العربي مجاهدي